السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

283

مفاتيح الأصول

كما عن المحصول ومختصراته إلى تقديم القول لوجوه منها أن القول يدلّ بنفسه لأنه وضع لذلك فلا يختلف والفعل مفتقر في الدلالة إلى القول فكان أولى فإن غير المحتاج أولى من ذي الاحتياج ومنها أن الفعل يحتمل الاختصاص به ولا كذلك القول لعمومه ومنها أن القول أعم دلالة من الفعل لأنه يعمّ الموجود والمعدوم والمعقول والمحسوس بخلاف الفعل فإنه لا يدل إلا على المشاهد ومنها أن دلالة القول متفق عليها والفعل مختلف فيها فالمتفق عليه أولى بالاعتبار ومنها أن القول يبطل مقتضى الفعل في حق الأمة فقط ويبقى في حقه بخلاف الفعل فإنه يبطل مقتضى القول جملة لأنه مختص بهم فقد بطل حكمه في حقهم والجمع بينهما ولو بوجه أولى وهذا يجري فيما إذا دل على التكرار في حقه وعلى التأسّي وكان القول خاصا بالأمة وجهل التاريخ وكذا جرى فيما إذا دل الدليل على ذلك وكان القول شاملا لهما وجهل التاريخ لأن القول يبطل حكم الفعل في حقه صلَّى اللَّه عليه وآله وحقهم لكن إنما يبطل الدّوام في حقه صلَّى اللَّه عليه وآله دون أصل الفعل ومنها أن القول قابل للتأكيد بقول آخر بخلاف الفعل وذهب بعض إلى تقديم الفعل لأن دلالة الفعل أقوى لأنه صلَّى اللَّه عليه وآله كان يبيّن قوله بفعله مثل صلوا كما رأيتموني أصلَّي وكخطوط الهندسة وغيرها مما جرت به العادة من الأفعال للتعليم إذ لم يف القول به ولذا قيل ليس الخبر كالمعاينة وذهب المحقق في المعارج إلى التوقف وهو أقوى وتضعيفه باستلزامه إبطال العمل المتعبد به ضعيف جدّا وأما الوجوه التي ذكرها الخصوص فلا تنهض حجة أما ما ذكره المرجّحون للقول فيدفعه ما ذكره في المعارج من أن الكلام ليس في الفعل المطلق بل في الفعل الذي قام الدّليل على وجوب متابعته على أنا نمنع من بطلان مقتضى القول وإنما يتجه إذا جوزنا النسخ قبل التمكن من العمل وإلا فلا بد من العمل به في زمان فلا يبطل مقتضاه أصلا كما هو الحال في الفعل وأما ما ذكره المرجح للفعل فيدفعه المنع منه واعلم أن التعارض بين قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وفعله صلى الله عليه وآله قد يكون من كلّ وجه كما في الصورة المتقدمة وقد يكون من وجه قال العلامة في النهاية فإن تعارضا من وجه دون وجه كنهيه عن استقبال القبلة واستدبارها للغائط والبول وجلوسه لقضاء الحاجة في البيوت مستقبل بيت المقدس وذلك يحتمل أن يكون مباحا في البيوت لكل أحد وله خاصة ويحتمل أن يكون نهيه صلَّى اللَّه عليه وآله عن استقبال القبلة واستدبارها عاما لأمته في البيوت والصحاري وأن يكون خاصا في الصحاري وقد اختلف في ذلك من غير تفصيل فقال الشافعي إن نهيه مخصوص بفعله صلَّى اللَّه عليه وآله وقال الكرخي نهيه جار على إطلاقه ويختص فعله به وتوقف قاضي القضاة احتج الشافعي بأن النّهي عام ومجموع الدليل الدّال على التأسي مع كونه مستقبل القبلة في البنيان عند قضاء الحاجة أخص من ذلك النهي والخاص مقدم واعترضه أبو الحسين أن فعله وإن كان أخصّ لأن نهيه صلَّى اللَّه عليه وآله عام في البيوت والصحاري وفعله خاص في البيوت إلا أنه لا يتعدى إلينا ونهيه يتعدى إلينا وأيضا إذا جعلنا النهي هو المخصّص كنا قد خصصنا به وحده قوله لقد كان لكم في رسول اللَّه وإذا كان المخصوص هو هذه الآية وهي أعم من النهي كان تخصيصها أولى ولهم أن يقولوا نحن إذا خصّصنا هذا النهي فإنما نخصه بفعل النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله مع ما ثبت من التأسّي ومجموعهما أخص من النهي انتهى كلامه والحق التوقف لأن التعارض بين دليل التأسّي وإطلاق النّهي من قبيل تعارض العمومين من وجه نعم إن قام دليل على التأسي في ذلك المقام بالخصوص فيقدم كما إذا ورد نهي بالخصوص في ذلك المقام فيقدم أولا يعتبر هنا معرفة التاريخ بناء على أنه إذا تطرق احتمال التخصيص كان اللازم اعتباره وإن احتمل النسخ فرض دوران الأمر بين نسخ القول والفعل كما في الصّورة المتقدمة لا يكون إلا إذا كان التعارض بينهما تعارض الضدين أو قيل بعدم جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب مفتاح إذا فعل النبي صلَّى اللَّه عليه وآله فعلا في غير مقام بيان الواجب المجمل ولم يعلم وجهه لم يجب التأسّي به ولا الحكم يكون ذلك الفعل واجبا علينا بمجرّد فعله صلَّى اللَّه عليه وآله بل يطلب من الخارج دليلا عليه وإلا فالأصل الإباحة أو عدم تقييد الإطلاق كما إذا ورد أمر بشيء وفعل في مقام امتثاله على وجه خاص وذلك نحو ابتدائه بالأعلى في غسل الوجه المأمور به في الوضوء والحجة على ما ذكرناه الأصل وعدم الدّليل على الوجوب حينئذ وأما ما استدل به عليه فقد تقدم الإشارة إلى ضعفه فإذن لا يجوز التمسّك بدليل التأسّي فيما اختلفوا فيه في الوضوء من الابتداء بالأعلى والترتيب بين اليمين واليسار ونحو ذلك بل يجب التعويل على الإطلاق في تلك الموارد حتى يثبت المقيد ويحمل فعله صلَّى اللَّه عليه وآله على كونه أحد أفراد الكلي الَّذي يتحقق به الامتثال فإذن الأصل في الوضوء الأخذ بإطلاق الأمر ولكن قد يدعى أن الأصل وجوب الإتيان بنحو فعله صلَّى اللَّه عليه وآله دون الأخذ بالإطلاق وذلك لوجوه الأوّل قوله عليه السلام بعد الفراغ من وضوئه هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصّلاة إلا به فإن المراد به بمثله كما صرّحوا به لتعذر إرادة المعنى الحقيقي والمماثلة إنما يحصل لو أوقع